أحمد بن علي القلقشندي

42

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الأعلام ، وتتضافر على الجهاد في اللَّه بالجلاد والجدال تارة بالسيوف وتارة بالأقلام . ودمشق حرسها اللَّه هي أمّ ذلك الإقليم ، ومدده الَّذي يحنو على مشارعها حنّو الوالدة على الفطيم ، وتنبت بها فوائد لا تأمن معها الغواني حتّى تلمس « جانب العقد النّظيم » ؛ وهي دار العلم ، ومدار الحكم ، وموطن علماء تتعاقب فيها كواكبهم ، وتتناوب سحائبهم ، وتتناهى إلى حكمها العزيز الشكوى وتنفصل بحكم حاكمها الدعوى ، ويمتدّ جنناح طيلسانه على رضوى ( 1 ) ويحلق البرق وراء فهمه ولا يبلغ غايته القصوى ، ويطول قلمه على السيف المشهّر ( 2 ) ، ويرفرف سجلَّه على الشرع المطهّر ؛ كم حلَّت في صدوره صدور ، وكم طلعت منهم شموس وبدور ، وكم حمدت منهم أمور عاقبة وللَّه عاقبة الأمور ، كم أداء درس بهم ذكر ، وكم أدب نفس شكر ، كم بهم مجد رسخ ، وجدّ لملَّة ممالاة نسخ ، كم أقضية لهم بالحق وصلت ، وقضيّة للحقّ فصلت ، ومهنة من غلبهم اللاحق حصلت ، كم سجلّ صاحب هذا المنصب حامل علمه المنشور ، ومصباح ديمه الحافلة على ممرّ الدّهور ، بشرف مدرّس علم يطلع من محرابه ، ونسّاك حلم يبدو بدره التّمام خلف سحابه ، ومجلس إفادة ، انعقد عليه فيه الإجماع ؛ ومحفل ساد ة ، كان فيهم واسطة عقد الاجتماع . [ ولما ] ( 3 ) تزلزلت قدم منابره ، وانتهك حجاب ضمائره ، واستزلَّه الشيطان بكيده المتين ، وأضلَّه على علمه المبين ، وسبق القلم الشّرعيّ ، بما هو كائن ، ومضى الحكم القطعيّ ، بما هو من تصرّفه بائن - تردّد الاختيار الشريف فيمن نحلَّي جيده بتقليدها ، ونؤهّل يراعه لتسليم مقاليدها ، وصوّبنا صواب النّظر فيها مصرا وشاما ، واستشرفنا أعلاما ، وتيقنّا لأقوى ما يكون [ لها ] ( 4 ) قواما ، وابتكرنا أنه لا يصلح إلا من كان لحلَّة المجد طرازا ، ويزيد العمل إليه اعتزاء والعلم به

--> ( 1 ) جبل بالمدينة المنورة . ( 2 ) شهّره : مبالغة في شهره . ( 3 ) الزيادة من الطبعة الأميرية . ( 4 ) الزيادة من الطبعة الأميرية .